هل يمكن للكتابة التاريخية أن تكون موضوعية؟

aadmin admin4 أكتوبر 2026
هل يمكن للكتابة التاريخية أن تكون موضوعية؟

الجزء الأول: بين المأمول والواقع:

كيف يتسلل التحيّز إلى الكتابة التاريخية ؟

الحياد والموضوعية وعدم التَّمَوْقُع، والنأي عن الأحكام المسبقة على الأحداث والأشخاص الذين لهم علاقة بالوقائع التاريخية الخاضعة للدراسة، أمر ضروري وأساسي لكي يكون الفهم صحيحًا لتلك الوقائع، ولكي تحظى الكتابة عنها بالمصداقية والثقة.

هذا ما نأمل أن يكون عليه الأمر. غير أن الواقع الذي عليه الكتابات التاريخية المتداولة بين أيدينا، مما تم تدوينه قديمًا وحديثًا، ليس كذلك للأسف. فمعظم تلك الكتابات لا تخلو من تحيُّز واضح، وانتقائية كبيرة في اختيار الحوادث والأخبار المراد روايتها والترويج لها، وكذا الطريقة التي يتم عرضها بها وتحليلها. إذْ نجدها في النهاية تفضي إلى حشر القارئ في زاوية ضيقة من الفهم، لا تتوافق مع السير الحقيقي للأحداث وللسياق الذي وقعت فيه.

وحينما نقرأ تاريخنا على هذا النحو، نجد أنه قد تمت برمجتنا، بشكل لا شعوري، على تصنيف كثير من الأشخاص والأحداث في خانات أُريدَ لها أن توضع فيها، وإن لم تكن هي كذلك في الواقع. فإذا ببعض تلك الشخصيات تغدو مثالًا للتضحية والفداء، وعنوانًا للفضيلة والطهر، في حين تغدو شخصيات أخرى مثالًا للقسوة والظلم والفساد والخيانة والجهل. كما تدفعنا تلك البرمجة إلى النظر إلى بعض فصول تاريخنا على أنها صفحات مجد وقوة، في حين يُصنَّف بعضها الآخر مثالًا للانحطاط والركود والتخلف.

ولم تتوقف الانتقائية والتحيز عند تبييض أشخاص وأحداث وتشويه أشخاص آخرين وأحداث أخرى فحسب، بل دفعتنا إلى حصر صناعة الأحداث وأبطالها في تلك الشخصيات، حتى ليبدو الأمر كما لو أن الحدث التاريخي العظيم يصنعه ثلاثة أو أربعة أشخاص من مجموع الأمة.

فكيف يظهر هذا التحيّز في الوقائع الكبرى؟ وماذا يصنع بصورة الأشخاص والأحداث؟ هذا ما نتناوله في الجزء الثاني، انطلاقًا من مثال سقوط غرناطة.

أ. د. محمد دراج

أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر 2 بوزريعة

شارك المقال: